السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
.
((أوراق تتكلم لصاحبي المتوفى..)) كان هذا عنوان لموضوع كتبه الأخ عبدالكريم بإحدى المنتديات في السنة الماضيه..
نقلته لكم للذكرى وللفائدة.. فأتمنى أن تجدوا ماوجدت..
اترككم مع قلمه..
.
.
تمرُ بنا حوادث ومصائب تعكّر صفو حياتنا الجميلة، ولكلٍ منا ما يحملهُ في جعبته من ذكريات أليمة، فيفضّل الواحد منّا في كثير من الأحيان نسيانها، فالمواجع كثيرة ولسنا بحاجة لتقليب مواجع الماضي..
إلا أن بعض المصائب فيها من الدروس ما يعجز المرءُ عن نسيانه، وقد يكون ذلك الدرس نقطة تحوّلٍ ومنعطفا ًفي الحياة ككل.
قبل قليل كُنت أمسكُ بأحد أعداد " مجلة الأسرة " وهو من إصدارات العام 1420هـ ونحن الآن في العام 1426هـ أي أن المسافة الزمنية التي تفصلنا عن إصداره ست سنوات، وتلك الست نفسها كانت تفصلني عن حادثة غيّرت الكثير في حياتي.
صديقٌ لي، عشتُ معه لفترة ليست بالقصيرة، وكنتُ خلال تلك الفترة أراقبُ ولعه بالقراءة والكتابة فيدفعني ذلك للإطلاع على نوعية الكتب التي يقرأها والأشرطة التي يسمعها لعلي أكتشف سر ملكته في اختيار الفكرة وصياغة العبارة.
فكان إن كتب ساخراً ضحكنا، وإن كتب واعظاً تأثرنا وبكينا، وإن كتب موجهاً استفدنا وتوجّهنا.
ذات يوم طلبتُ منه أن يبدأ رحلته مع المجلات الإسلامية، فهي بحاجة إلى من يثريها ويضيف إليها ألواناً جديدة من المقالات والكتابات، وألححتُ عليه أن يراسلها، فأخبرني بأنه سبق أن راسل إحدى المجلات وهي "الأسرة" ولم تنشر له وهو لا يعلم هل هي سيئة - أي المقالات - فلم تنشر لذلك أم أنها لم تكن تصل إليهم، فطلبتُ منه المحاولة مرة أخرى، فتشجع لتلك الفكرة وعقد العزم أن يكرر المراسلة مرة أخرى.
اضطُر صاحبي بعد أيام للسفر خارج المدينة وقبل أن يسافر أهداني وأهدى بعض الإخوة آخر ما كتبه وهي مقالة بعنوان "احزن ولا تحزن"، وقد قام بإرسال نسخة منها قبل سفره إلى "مجلة الأسرة".
وبعد مُضي أكثر من شهر على سفره، حان وقت عودته إلينا، وفي طريق السفر مضى القدر بالمكتوب وقطع عليه السفر هادم اللذات ومفرّق الجماعات.
كان خبر وفاته كالصاعقة عليّ، ولا أريد أن أخط مشاعري تجاه فقده بكلمات قد لا يفهمها من لا يعرفه.
وقد كان حفظه لكتاب الله، وما شهدتُ من تفانيه في الدعوة خيرُ عزاء لي في فقده، أسال الله أن يجمعني به على سرر متقابلين.
بعد أيام على وفاته، جاءني أحد الإخوة ليسلّمني العدد الجديد من مجلة "الأسرة"، وكانت المفاجأة أن تنشر مقاله "احزن ولا تحزن" في إحدى صفحاتها، وتُسطّر اسمه أسفل منها..
عندما أقرأ ما كتبه أشعرُ دوماً أني أقرأه لأول مرة، على الرغم من أنني أول من قرأها قبل أن تُرسل، وأشعرُ أن الحياة في هذه الأوراق تتجدد كلما نظرتُ إليها، بل أشعر أنها تتكلم ...
.
.
(( احزن ولا تحزن ))
لا تحزن..
لا تحزن مهما حلّت بك مصيبة أو نزل على القلب فاجعة.
لا تحزن مهما حملت فوق ظهرك الأحمال، ومهما غطى جفنك الأرق والأتعاب.
لا تحزن مهما ظلمك أو رماك بسوء ظن رام.
لا تحزن مهما شحت السماء بمائها ومهما أجدبت الأرض برزقها.
لا تحزم لأن الحزن يذهب العمر ويفنيه، ويبعث الشقاء ويسقيه.
لا تحزن لأنك بحزنك تُسعد عدوك، وتُحزن رفيقك.
لا تحزن لأن الحزن لن يعيد المفقود، ولن يشبع الجائع المحروم.
لا تحزن لأن الحزن لن يفرّج هماً، كلا ولن يكشف غماً.
لا تحزن إذا رأيت نيوب أعدائك بارزة فربما إنها تلهث خلفك مكتئبة.
لا تحزن إذا رأيت سهاماً طائشة لا تعرف بأي واد تصيب ولا كيف تبيد.
لا تحزن إذا رأيت أصابع الاتهام نحوك تشير، وكلمات التجريح حولك تبعث التهويل والوعيد.
لا تحزن ولا تلق دمعاً، ولا ترفع باليد منديلاً، كلا ولا تغمض عينيك هماً وكمداً، لا بل ألق علينا سروراً، وارفع إلى الله دعاء وافتح عينيك مستبشراً ومؤملاً.
لا تحزن لأن الحزن حزن على ماض قد جبر، وفي اللوح قد كتب.
لا تحزن لأنك لا تملك أن تمحو ما كتب القلم، ولا تغير مسار القدر.
لا تحزن لأن الشهادة شهادة دنيا، فلن تمنع دخول الجنة، ولن تقي شر الحطمة.
لا تحزن فربما في المصيبة صواب سيحل، وفي النازلة رفع قدم ستزل.
لا تحزن فأنت أكبر من أن يحزنك فوات دنيا.
لا تحزن لأن الشمس مهما غابت في الحجب فلا بد أن تسطع.
لا تحزن لأن الليل كلما زادت ظلمته قرب فجره، وتهاوى في الأفق فلقه.
لا تحزن فرب سهم من سهام الأقدار أخرجت درن الأرجاس، ورب عاصفة من عواصف الدهر حملت بذرة فنبتت في القلب وأخرجت شذا الأزهار.
لا تحزن فما عند الله أبقى وأحسن.
.
.
احزن..
احزن على تفويت الأذكار والنوم عن صلاة الأسحار.
احزن على تفويت لتكبيرة الإحرام.
احزن على تفويت الجماعات والانهماك في اللذات.
احزن على معصية أطعتها، وطاعة عصيتها.
احزن على ساعات ذهبت سدى، ودقائق أفنيت في الفنا.
احزن إذ ولج أذنيك صوت الخنا، ونظرة في القلب بثت سهم الهوى.
احزن على قلة ذات يدك من الحسنات.
احزن على أمة لم تجد راعياً يرعى، ولا منقذاً من تكالب العدا.
احزن على أم ثكلى تنتحب أسى، وفقير لم يجد لقمة يطفئ الجوع أو يسقى الظما، وشريد لم يجد مكاناً ليزيح الكرى.
احزن على يتيم فقد والده، ويتيمة فقدت اليد الحانية، وخائف فقد العين الحامية.
احزن على ثوان من العمر ذهبت، لم تستغل في تسبيحة ترفع درجة، أو تكبيرة ترفع في الجنة منزلة.
احزن على طاعة أديت بغير إتقان.
احزن على رمضان ذهب فلم تغتنم فيه الغفران.
احزن على أعمال صعدت السما فأفنيت.
احزن على أصوات رفعت إلى الباري فردت.
احزن على نور لم يصلك شعاعه، وظلام خيم عليك سواده.
احزن على أيام الصبا ولت، وأيام الجهد والعنا ربما حلت.
احزن على كذبة اقترفتها لسانك.
احزن على نية سوء بيتتها في الظلام نفسك.
احزن على معصية اقترفتها مختفياً عن أعين العباد، وتناسيت نظر رب العباد.
احزن على ريال أنفق في معصية، وآخر أزهق رغبة في سماع أحجية.
احزن على يوم تلبس فيه ثوبك، فلا يخلعه منك إلا الغاسل.
احزن على يوم تتقاذف فيه الصحائف فلا تدري بأي اليدين تُسلَّم.
احزن على أيام الحشر كيف تقضيها.
احزن على دمعة لم تخرج فتقيك حر الحساب، وأخرى تمنعك مس النار.
احزن على أخوة فرطت فيها فمنعتك منابر النور، وحرمتك من ظل عرش رب غفور.
احزن يوم يأخذ الناس درجاتهم في الفردوس العالي من الجنان، وأنت محروم من ذلك النعيم.
انتهى..
.
.
لم يكن يعلم صاحبي أن ما كتبهُ سيُنشر ولكنه أرسله، ولم يكن يعلم أنه إن نُشر لن يقرأه ولكنه أرسله.
ما أعجب تلك الأقدار وهي تعلّمنا !
وما أتعسنا عندما استعجلنا النتائج !
إن استعجال الثمار خطأ فادح يعترينا في أعمالنا الدعوية وفي نظرتنا للأمور وحتى في تقويمنا لوضع الأمة ونهوضها، وكم أوقفتنا تلك الفلسفة عن العمل وأخشى أن نفنى بلا زرع يُنبتُ وبلا ثمر يُجنى.
ومصداق ذلك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد" إن قامت القيامة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها"
فأعاننا الله وأياكم على العمل الصالح.
بقلم/: عبدالكريم..
.
.
رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جناته..
وما من كاتب إلا سيفنى ... ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيءٍ ... يسرك في القيامة أن تراه
.. الـمـقـامـ الـسـامـي ..