
احببته في الصغر ...
وفهمته
بقدر مافهم نفسه...
أبعدوني عنه بقولهم (مايصلح لك )
لية !!؟
-(مايصلح لك وبس )
و
بعد تلك السنين ...
لقيتة!!
وانا
في طريقي إليه حيث (يموت ) عفوا يعيش مستشفى الأمراض النفسية استحضرت كل ماقيل لي عنه
وحاولت قدر الامكان أن أحضر نفسي
ولم أنس المرور على (بنده) حيث اشتريت (كرزا) من المالربورو سجائره المفضلة
كل هذا والمسجل يصدح في سيارتي بأغاني (بشير ) فنانه المفضل
خلصت من جملة الخلان أحسن لي أعيش وحداني
لا أدري لماذا ركزت على هذه الأغنية بالذات؟
ربما لأنها تعبر بصدق عن بعض معاناته
أنهيت اجراءات دخولي له بسرعة
قال لي (السكورتي) :
ممنوع دخول السجائر بالكرتون
- ياخوي هذا كرز مهوب كرتون
- أجاب (بحده) سمه اللي تسميه المهم ممنوع
استجبت لأمره وأخذت ثلاثة بكتات وأعطيتها له
أشرق وجهه الأسمر بابتسامه ابانت عن بياض أسنانه وقال:
ياخي الاحمر ثقيل ياليت تجيب لخويك المرة الجاية أبيض !!
فهمت أنه يدخن المالربورو الأبيض !!
أحمر أحمر مهيب مشكله المهم انه دخان
انتهيت من أجراء الدخول ...
شعرت باحساس غريب ينتابني فور دخولي لغرفته
على جدار الغرفة لوحة بالقلم الرصاص لبشير حمد شنان ممسكا بالعود
ومقابلها لوحة لفتاة جميلة جدا عمرها تقريبا أربع سنوات
القيت السلام وأخرجت بكتا واعطيته اياه
وقلت ماشاء الله من ذي ؟ أعني صورة الفتاة
قال : هذي بنيتي (نورة) الله يصلحها معك كبريت ؟
أخرجت الولاعة وناولتها اياه
اشعل سيجارته الأولى وأخذ نفسا عميقا...
سألته : ماشاء الله ذي آخر لوحاتك؟ مشيرا للوحة بشير
لا فيه وحدة عقبها واخرج من تحت سريرة لوحة بقلم الرصاص ايضا
وهي عبارة عن فم يعلوه شنب كثيف وقد أغلق الفم بسحاب يشبه سحاب ثياب البنات
قال هاللوحة سميتها ( سياصه)
صححت له اللفظ : سياسه بالسين
كان قد انتهى من سيجارته الأولى عندما قال لا سياصه بالصاد وصه هنا هي زبده اللوحة
ياخي ماتعرف معنى صه؟
الا
اجل وراك تغلطني؟
ابد حسبتك غلطان
اخرج سيجاره اخرى وفي هذه المرة لم اتركه يطلب الكبريت بل أعطيته الولاعة
وهنا سالته :
وش تحب اكثر الرسم والا الغناء؟
أخرج سيجارته ورفع عيناه للاعلى وقال : كلبوهم
مرة اغني ومرة ارسم ومرة أدج
بس وراك ماترسم الا بالرصاص؟
الرصاص؟
غشيم انت؟ حنا هالحين في زمن الرصاص
اللي مامعه رصاص يموت!!؟
طيب وش أكثر شي تحب من الأغاني؟
- ومن غيره ابو حمد
- بشير ؟
- لا طلال مداح وش فيك توك حليل بدينا بالاستهبال؟
- والله مهوب استهبال بس مدري وشلون جت معي غلط
- خلاص كل واحد يصلح سيارته
وش رايك تسمعني؟
وأخرج عوده من تحت سريره أيضا وسحب الريشه وغنى :
البارحة ماسليت ولا بنومي اهتنيت والشاهد الله بكيت باسباب بدر التمام
تظاهرت بالانسجام أثناء الأغنية
وبعد أن انتهى منها صفقت وقلت : الله
وبادرته : وش رايك في اغنية : وافيت قبل امس بالديرة عجوز ؟
لم يجب بل احتضن عوده بيده اليمين ورفع ابها م يده اليسرى وقبض اصابعه وفهمت منها اعجابه بها
وش رايك تخاويني للحديقة؟
أي حديقة ؟ كلها نخلتين وعسبانها يابسة
فهمت من جوابه انه يرفض المغادرة
قلت له بسرعه : ورى ماتغني لغير بشير ؟
مايعجبني الا أغاني بن سعيد بس بطلتها يوم دريت انه ترك الاغاني
- طيب وش أحسن أغنية لبن سعيد ؟
لم يفتح فمه بل بدأ بالعزف ثم غنى :
شفتك معه واقفيت عنكم وصديت أخاف أموت من القهر في مكاني
أثناء غناءه للأغنية فكرت في سؤاله : هماك تقول انك بطلت تغني له ؟
ولكني تراجعت خوفا من استثارته
لم يكمل غناء أربعة أبيات حتى شعرت بتغيير اللحن بل والكلمات:
شفتك مع اللي صار عقبي حبيبك واحتارت الدمعة بعيني وصديت
وبعد ان انتهى بادرته :
ذي للصريخ
- ايه هماني قلت لك بطلت اغني لبن سعيد
هههههههههههههههههههههههههه
وهنا لم أظهر معرفتي باعتزال الصريخ أيضا بل سكتت
(وأخرج من محفظته الشخصية ورقة دفتر رسم عليها وللمرة الأولى بالألوان قلب بشري وليس قلب حب و رأيت أربع قطرات باللون الأحمر تنزف من القلب)
جلست أتأملها بعمق وسألته : وش ذي؟
- هذي (بقايا جروح)
ثم تناول عوده وعزف بداية بقايا جروح ولم يكمل سوى البيت الأول وعندما وصل إلى (لاتروح الروح) وبعدها أطلق صرخة قوية!!؟
(لاوالله الا راحت) وانخرط في بكاء بصوت مكتوم يناقض صوت صرخته السابقة !!
ناولته كاسا من الماء وتركته حتى هدأ
- خالد عبدالرحمن روعة
أجاب وهو يغالب الدموع :
تصدق هو الوحيد اللي يذكرني ببشير سمعت (ليش الوداع )؟
ولم اتذكر لخالد اغنية بهذا الاسم
فأجبته وكأنني أطلب منه اسماعي اياها : لا واللله جديدة ذي؟
لم يجب بل تناول عوده وعزف:
ليش (الوداع) وانت الذي في خاطري دومك معي واستمر في الاغنية
لم أتأكد من قدرته وبراعته في تغيير مفردات أي أغنية يريدها إلا عندما وصل إلى هذا المقطع :
كل الصور عندي ......
لم يقل بقت
بل أبدل القاف كافا
فجاء المقطع :
(كل الصور عندي بكت)
وانخرط في نوبة جديدة من البكاء
هذه المرة تركته يغالب حزنه
وجلست أفكر
-ماقصته وما سبب حزنه
الجميع يقول انه مصاب بازدواج الشخصية
وأنا لم الاحظ سوى شخصية وحيدة
هي شخصية (الحزين جدا )
ترى هل تشخيص الأطباء هو الخطأ أم أن ثقافتي النفسية مجر غلط لدرجة الحكم على شخصية بهذا الحزن...
ولكن ماسبب هذا الحزن!!؟
توقف عن البكاء وطلب الولاعة
ناولته اياها وأشعل سيجارة
تعرف ( البارحة)
أجبته: البارحة ماسليت
لا
انا البارحة يوم العرب رقدوا ونيت
لا
البارحة يوم الخلايق نياما
لا بس تصدق اني ناسي هالاغنية
وشي؟
البارحة يوم الخلايق نياما
ليش؟
مدري
وأخذ يغنيها
البارحة يوم الخلايق نياما بيحت من كثر البكاء كل مكنون
ولم يستطع اكمالها
هذي البارحة اللي تسألني عنها قبل شوي؟
لا
أجل وشي؟
لم يجب بل أخذ يعزف
وهنا كأنني أسمعه يعزف لأول مرة فقد أجاد وبشكل كبير :
البارحة في منامي شفت خلي
وفزيت كني قريص عضه الداب
أحسب وليفي عنا لي في محلي
( آآآآه ) وعود عقب ماغاب
وشعرت انه قد نسي مقطعا منها
وكعادة بعض الفنانين عندما ينسى مقطعا يستبدله بالآه
- وراك نسيت؟
- لا والله مانسيت بس عجزت أقولها أحس انها فيذا غلط ماتناسب الكلام
وهنا أحسست أنه يغني لنفسه فقط ويختار من الأبيلت مايلائم معاناته
ويحذف ويضيف حتى تصبح الأبيات متناغمة مع شعوره
اذا هو لا يغني ليطرب
هو يغني ليتنفس وينفس عن نفسه (هكذا أحسست )
تصدق ان بشير كلن سرق منه
- أصدق ونص
سمعتا ( سرى ليلي ) ؟
ايه سمعتها هي لبشير ؟
- قسم بالله اني سامعن بشير يغنيها
وتناول عوده
- سرى ليلي سرى سرى ليلي
والا وين الكرى سرى ليلي
واعدوني القمر الا ظهر نوره
وهنا احسست انه يتفاعل بشكل كبير مع (نورة) ربما لانه اسم ابنته
يرسلولي خبر أو خط أو صورة
واتركولي السهر
وهنا مارس هوايته في تغيير المفردات
فقال
واتركولي السهر (وبنيتي نورة )
لم يكد ينهي هذا المقطع حتى توقف
الله يصلحها ويخليها لك
- امين تصدق ما يخلوني اشوفها الا يمكن في الاسبوع مرة؟
- شوي
يقولون عندها مدرسة وخرابيطهم ذي ماتمشي معي هم يبوني انساها
وليش؟
علشان أنسى امها
ومرت لحظة صمت..
امها اسمها بعد (نورة ) ماتت وهي تجيبها
قالوا لها عملية وعيت ويوم وقعت لهم والاها قد لاقت ربها
الله يرحمها
وهنا ادركت سبب حزنه...
انها نورة
ولكن السؤال الذي لم أعرف له إجابة إلى الآن :
هل هي نورة
الغائبة الحاضرة؟
أم نورةالحاضرة الغائبة!!؟
أعتقد الثنتين ...
