] (بلاد الديرة)
جاء القرية الهائمة في وحدتها وسكونها، تشتعل في نفسه حرائق الشوق والفرح، إنها رجعة بعد غياب طويل، يالصمتها الرهيب، ويالوحدتها القاسية، قال ذلك وهو يدخلها بعد صلاة العصر، لم تعد كما كانت من قبل تترقب الزائرين والعائدين، ويصطف رجالها لاستقبالهم وتزغرد النساء وترحب ترحيب المطر.
ابتسم، عندما لمع في ذهنه أنه ليس كل الزائرين يُستقبَلون كذلك فقط (اللي عنده فلوس ).
الطريق التي يخترقها معبد، ولكنه ضيق، تزاحمه البيوت شحًا في الأرض وتضييقًا على الناس؛ حسدا في أحيان ومعاندة ومشاكسة في أحيان أخرى، يقف وراء ذلك ضيق أفق لما يمكن أن تحتاج إليه القرية من توسع ونماء، حدث نفسه قائلا: لماذا لا يكون حرصا على قديم القرية من مساريب، سامحكِ الله، أنت تسيئين الظن، ردت عليه نفسه بما كان يسمعه في المدينة: (أدّي له ركبه)، بدأ يهتز من الضحك لهذه الخواطر، ولكنه تماسك.
رأى بعض أهلها سيارته، من المؤكد أنهم عرفوه، ولكنهم تظاهروا بعدم الاهتمام، لوح لهم بيده فلوحوا له بتثاقل، شعر أنهم لا يريدونه أن يقف عند أحدهم لا مسلّما ولا سائلا، ناهيك أن يكون ضيفا، استجاب لرغبتهم المكتومة.
أخذ الطريق يتصاعد في جبل صغير، ولكنه شديد الانحدار، وفي قمته أوقف سيارته، ومضى يحدث نفسه: (هذه الخرابة)، هنا كانت قرية أخنى عليها الدهر، يا لله! أجدادنا كانوا هنا... أو ربما لم يكونوا، لا دليل، كأنهم سحابة صيف مرّت أو بددتها الرياح، كأنها أحلام، كأن وجودهم وأخبارهم مجرد أوهام.
أراد الخروج من حديث النفس إلى الواقع، فقال: ولكنني كنت هنا أيام طفولتي هذه حقيقة مؤكدة ما دام وجودي حقيقة كما أظن، شعر أنه بدأ يتفلسف، كما يقال، أو ربما هو الشيطان يوسوس له كما قد قرأ ذات يوم.
مضى في طريقه إلى حيث يسكن أبناء عمومته، أو من تبقى منهم!.. ألم تفرقهم الأيام والليالي أيدي سبأ، فبعد أن كانوا في ساحة واحدة تخاطفتهم مدن شتّى، وأعمال شتّى (والمعيشة ضنكة)كما يردّد بعضهم، مرت في ذهنه صورة لأيام كان وأنداده (يتحاذفون بالحصى، ويتفاقعون الروس).
توقف برهة محاولا إيقاف سيل حديث النفس والأفكار المتكالبة على عقله المشتت أصلا في آفاق لا حدود لها بما لا حاجة معه إلى مزيد مما يشغل ويلهي.
وجد نفسه أمام منزل ابن عمه قرع الباب ودق الجرس ولا مجيب، أراد أن يجلس للتأمل في بقايا جمال الأمكنة قليلا، ولكنه نهض بعد أن تسلل إلى رأسه أحاديث عن صلة القرابة وعلاقات أبناء العمومة وأبناء القرية، شعر أنه سينهك عقله ويدمر روحه بحديث شائك كهذا.
قال الأفضل أن أذهب إلى منزل ابن عم آخر، وهو شيخ طاعن في السن، ومع هذا كان حاضر الذهن قوي الذاكرة بارع الكلام إلى حد يجذب السامع، ويملأ قلبه وعقله بالإعجاب لهذه الموهبة الكلامية المطعمة بالخبرة والتجربة والأمثال والحكم، والمزيّنة بالتشبيهات والصور البديعة. ولكن كلامه لم يخل من غمز ولمز وبخاصة للذين تركوا البلاد وراء ظهورهم تهدّمها الأمطار والرياح، وتستوطنها الحيّات والأفاعي، وتحل محل بيوتها (بيوت النملة).
تبادلته حالات الذهول والإعجاب والتذمر وهو يستمع إلى هذا السيّل من الكلام الحسن مرة والمزعج مرة، وفكر بالإجابة على كل ما ورد فيه، ولكنه فكر في حال هذا الرجل الذي يضع إحدى رجليه في عالم الآخرة، ولازال مشغولاً بالدنيا ومشاكلها محارباً قوي الشكيمة في صراعات شتّى، قال لنفسه: ينتهي أجل ابن آدم ولا تنتهي حاجته، وهنا ظن لوهلة أنه حكيم، ولكنه تذكر أنه قرأ هذه الحكمة في زمن ما .
عاد ليقول لنفسه: لا داعي للردّ: لقد تولت الأيام والسنين الردّ ببلاغة، حين قالت: إنك قد تحرص على شيء فتفقده وقد تهمل شيئا فلا تستطيع منه فكاكا، وإن أردت، ولكن الشيخ لم يستمع إليها، على ما يبدو، على الرغم من إسماعها له بما فعلته في جسمه وصحته، فهل سيستمع إليك، وأنت لا سلاح لك سوى الوعظ والإرشاد، الذي لم يعد له تأثير على أحد؟
لم يكدر جو اللقاء سوى تلميحات وتصريحات من ابن عم آخر تتعلق بالبلاد، وأنك من بين بني عمك لم تحرك ساكنًا من أجل استخراج صكوك لها، وفي هذا ضياع لبلاد الأجداد، وستقوم البلدية بمصادرة هذه الأراضي وتحويلها إلى أراض بيضاء، وهكذا تفقد العائلة جزءاً من ممتلكاتها، وأن هذا لا يتفق مع شيم أهل القرية ويعتبر عاراً وإسقاطاً للمهابة وتضييعاً للحقوق.
استمع إلى هذا الكلام ولكنه حاول الهروب منه بذريعة أن الحق لا يضيع، وأن البلديات عندنا ليست بلديات إسرائيل حتى تعمل على الاستيلاء على أملاك الناس، وأنّ كرامة الإنسان محفوظة بالأرض أو بغيرها مادام مستقيمًا لا يخدش صفحته البيضاء بخيانة أو نذالة أو سوء أدب مع الأقارب والأباعد، قال لنفسه: حسناً دعك مما يقوله، وعد إلى المدينة التي خرجت منها، هناك ستفكر وستراقب، والأيام ستصدق أو تكذب ما يفكر به أبناء العم، وعندما يحدث ذلك فأين سأكون؟ أفي القرية ألتحف رداء الشيخوخة، وأهذي بالكلام المسلسل والمزيّن مادحاً وقادحاً، وقد مضى بعض أبناء العمومة إلى مصائرهم وبقي بعضهم، وعندما يخطر لهم أن يزوروني ليستمعوا إلىّ سيضيقون بغمزاتي ولمزاتي وتلميحاتي، وسيقول لي أحدهم: أنت (جيعان كلام)، ثم ينصرف غاضبا، وقد لا يعود أبداً، أم سأكون في المدينة التي أحببت، أكتب الأشعار والحكايات، وأشاهد المحطات الفضائية المملّة، تثقلني الشيخوخة بأمراضها وأحزانها وهمومها، أم ماذا سيحدث؟ الله وحده يعلم، لكنّ الشيء الأكيد أنّ الأرض ستبقى كما بقيت من مئات السنين، وسأمضي إلى حيث مضى أجدادي، وسيأتي أحد الأحفاد يوماً ليتساءل هل كان لأجدادي وجود أم هم وَهَم، وربما سيردّ هذه الخاطرة بقوله: الشيء المؤكد أنني أنا موجود، ولا شيء عن الأجداد وجوداً أو عدماً سيكون هاماً، فالأيام تمضي بكل شيء، ولكنّ (بلاد الديرة) ومشكلاتها باقية أبد الدهر.